العيني
246
عمدة القاري
أي : هذا باب في بيان النهي عن إضاعة المال . وكلمة : ما ، مصدرية ، وإضاعة المال صرفه في غير وجهه ، وقيل : إنفاقه في غير طاعة الله تعالى ، والإسراف والتبذير . قوله : ( وقول الله ) بالجر عطف على ما قبله . قوله : ( والله لا يحب الفساد ) ، كذا وقع في رواية الأكثرين ، ووقع في رواية النسفي : إن الله لا يحب الفساد ، والأول هو الذي وقع في التلاوة ، والثاني سهو من الناسخ ، والفساد خلاف الصلاح . قوله : ( ولا يصلح عمل المفسدين ) كذا وقع في رواية الأكثرين ، ووقع في رواية ابن شبويه والنسفي : لا يحب ، بدل : لا يصلح ، وأصل التلاوة أن الله لا يصلح عمل المفسدين ، وغير هذا سهو من الكاتب ، وقيل : يحتمل أنه لم يقصد التلاوة . قلت : فيه بعد لا يخفى . قوله : * ( أصلواتك ) * ( هود : 78 ) . في سورة هود وأولها : * ( قالوا يا شعيب أصلواتك تأمرك . . ) * ( هود : 78 ) . إلى قوله : * ( إنك لأنت الحليم الرشيد ) * ( هود : 78 ) . كان شعيب ، عليه الصلاة والسلام ، كثير الصلوات ، وكان قومه إذا رأوه يصلي تغامزوا وتضاحكوا ، فقصدوا بقولهم : أصلواتك تأمرك ؟ السخرية والهزء ، وإسناد الأمر إلى الصلاة على طريق المجاز . قوله : * ( أن نترك ) * ( هود : 78 ) . أي : بأن نترك ، أي : بترك ما يعبد آباؤنا . قوله : * ( أو أن نفعل ) * ( هود : 78 ) . أي : أتأمرنا صلواتك بأن نفعل في أموالنا ما تشاء أنت ، وهو ما كان يأمرهم من ترك التطفيف والبخس . وقال زيد بن أسلم : كان مما ينهاهم شعيب ، عليه الصلاة والسلام ، عنه وعذبوا لأجله ، قطع الدنانير والدراهم ، وكانوا يقرضون من أطراف الصحاح لتفضل لهم القراضة ، وكانوا يتعاملون بالصحاح عدداً وبالمكسور وزناً ويبخسون . قوله : * ( إنك لأنت الحليم الرشيد ) * ( هود : 78 ) . قول : منهم ، على سبيل الاستهزاء ، ونسبتهم إياه إلى غاية السفه ، ووجه ذكر هذه الآية في هذه الترجمة في قوله : أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء ، لأن تصرفهم في الدراهم والدنانير على الوجه الذي ذكرناه إضاعة للمال ، وكان شعيب ، عليه الصلاة والسلام ، ينهاهم عن ذلك ، فلما لم يتركوا هذه الفعلة عذبهم الله تعالى . قوله : ( وقال ) أي : وقال الله تعالى : * ( ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ) * ( النساء : 5 ) . هذه الآية في النساء ، وتمامها : * ( التي جعل الله لكم قياماً وارزقوهم فيها واكسوهم ، وقولوا لهم قولاً معروفاً ) * ( النساء : 5 ) . ووجه ذكر هذه الآية هنا أيضاً هو أن إيتاء الأموال للسفهاء إضاعتها . وقال الضحاك عن ابن عباس : المراد بالسفهاء : النساء والصبيان ، وقال سعيد بن جبير : هم اليتامى ، وقال قتادة وعكرمة ومجاهد : هم النساء ، وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا هشام بن عمار حدثنا صدقة بن خالد حدثنا عثمان بن أبي العاتكة عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن النساء السفهاء إلاَّ التي أطاعت قيمها ) . وقال ابن أبي حاتم : ذكر عن مسلم بن إبراهيم : حدثنا حرب بن شريح عن معاوية بن قرة عن أبي هريرة : * ( ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ) * ( النساء : 5 ) . قال : الخدم وهم شياطين الأنس . قوله : ( قياماً ) ، أي : تقوم بها معايشكم من التجارات وغيرها . قوله : * ( وارزقوهم فيها واكسوهم ) * ( النساء : 5 ) . وعن ابن عباس : لا تعمد إلى مالك وما خولك الله وجعله لك معيشة فتعطيه امرأتك أو بنيك ، ثم تنظر إلى ما في أيديهم ، ولكن أمسك مالك وأصلحه وأنت الذي تنفق عليهم من كسوتهم ومؤونتهم ورزقهم . وقال ابن جرير : حدثنا ابن المثنى حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن فراس عن الشعبي عن أبي بردة عن أبي موسى ، قال : ثلاثة يدعون الله فلا يستجيب لهم : رجل كانت له امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها ، ورجل أعطى ماله سفيهاً ، وقد قال الله تعالى : * ( ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ) * ( النساء : 5 ) . ورجل كان له دين على رجل فلم يشهد عليه ، وقال مجاهد : * ( وقولوا لهم قولاً معروفاً ) * ( النساء : 5 ) . يعني : في البر والصلة . قوله : ( والحجر في ذلك ) ، بالجر عطف على قوله : ( إضاعة المال ) ، أي : الحجر في ذلك أي : في السفه ، وقال ابن كثير في ( تفسيره ) : ويؤخذ الحجر على السفهاء من هذه الآية أعني ، قوله : * ( ولا تؤتوا السفهاء ) * ( النساء : 5 ) . وهم أقسام ، فتارة يكون الحجر على الصغير ، فإنه مسلوب العبارة ، وتارة يكون الحجر للجنون ، وتارة يكون لسوء التصرف لنقص العقل أو الدين ، وتارة يكون الحجر للفلس ، وهو ما إذا أحاطت الديون برجل وضاق ماله عن وفائها ، فإذا سأل الغرماء الحاكم الحجر عليه حجر عليه . انتهى . والسفيه : هو الذي يضيع ماله ويفسده بسوء تدبيره ، والحجر في اللغة : المنع ، وفي الشرع : المنع من التصرف في المال ، وقال أصحابنا : السفه هو العمل بخلاف موجب الشرع واتباع الهوى ، ومن عادة السفيه التبذير والإسراف في النفقة والتصرف لا لغرض أو لغرض لا يعده العقلاء من أهل الديانة غرضاً ، مثل دفع المال إلى المغني واللعاب وشراء الحمام الطيارة بثمن غال والغبن في التجارات من غير محمدة ، وأبو حنيفة لا يرى الحجر بسبب السفه ، وبه قال زفر ، وهو مذهب إبراهيم النخعي ومحمد بن سيرين ، وقال أبو يوسف ومحمد ومالك